
كلمة صاحب السمو سلطان القاسمي الموجّهة إلى مجلس اللسان العربي بموريتانيا
"الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالشارقة، الدكتور محمد صافي المستغانمي يلقي كلمة صاحب السمو"
بسم الله الرّحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين.
أصحاب السعادة، معالي الوزراء…
أهل الفضل والعلم علماء ورؤساء المجامع اللغوية والعلميّة،
الحضور الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلا: أتوجّه بالشّكر الجزيل إلى دولة موريتانيا الشّقيقة حكومة وشعبا على حسن صنيعهم باستضافة هذا الحدث اللغوي الهام، وأثمّنُ كلَّ ما قدّمتم وتقدّمون في سبيل العلم عموما، وفي سبيل اللغة العربيّة خصوصا. وإنّها لمناسبةٌ مباركةٌ ميمونةٌ سارّةٌ أن يجتمع هذا الجمع الكريم من العلماء واللّغويين والأكاديميين، وأهل الفضل والنّبل على غاية مثل غايتنا التي حقّقنا جانبا منها اليوم، ألا وهو الافتتاح الرّسمي لمجلس اللّسان العربي بنواكشط ليلتحق بركب المجامع اللغويّة والعلميّة.
قلت: حقّقنا اليوم الخطوة الأولى في سبيل هذا المجمع، والخطوات التّالية تحتاج إلى جدّ واجتهاد وتشمير عن سواعد المثابرة، وفتح لأبواب المبادرة أمام جميع الباحثين والأكاديميين وأهل الإبداع.
أعلمُ – كما تعلمون – أنّ المجامع اللغوية كثيرة ومنتشرة في أغلب البلاد العربيّة، ولكنَّ العبرة ليست بكثرة الأعداد، وإنّما العبرة بالنّتائج والمُخرجات. ماذا قدّمنا للغتنا في الماضي؟ وماذا نُخطّطُ اليوم للنّهضة بها في الأيّام الرّاهنة وفي المستقبل؟
إنّي، أيّها الإخوة الكرام، أضمّ صوتي إلى أصواتكم جميعا، وأُشجّعكم على الأعمال والأنشطة التي تعود بالنّفع على انتشار لغتنا العربية، وتعميم استعمالها، والمحافظة على صفائها وعلوّها وسعتها وثرائها، وتشجيع الإبداع بها. هذه اللغة التي اصطفاها العليم الحكيم لحمل كتابه، ولها من الخصائص والمميّزات ما يجعلُها تتربّعُ فوق عرش اللّغات العالميّة، ولولا ما تتمتّعُ به من خصائص، وما تزدهي به من مزايا، وما يزيّن جيدها من إمكانات ومهارات ما جعلها الله جلّ ثناؤه وعاء لكلمته الأخيرة للبشريّة جمعاء، وعاء للقرآن المعجز الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه.
تُرى ما الذي يتوجّب أن نقوم به تُجاه هذه اللغة العظيمة؟ ما الذي تطلبُهُ منّا وتقتضيه منّا – ونحن أهل الفكر والعلم وأصحاب التّوجيه وأولو النُّهى والحِجى-؟
الجواب يعرفه الجميع، ولكن يحتاج إلى شجاعة أدبيّة، ويحتاج إلى عزم وحزم وتجلّد وصبر؛ لأنّ سبيل تحقيق ما تريد هذه اللغة منّا طويلٌ وشاقّ، والعوائق كثيرة، والمزالقُ متنوّعة، والجوّ العام تكسوه غيوم، وتُلبّدُهُ غياهب هنا وهناك.
إنّ الذي يتوجّبُ علينا فعله: هو أن نُحسن التّخطيط لهذه اللغة، أن نحسن اتّخاذ القرارات الصّحيحة والصّائبة التي تجعل الأجيال الحاضرة، وأجيال المستقبل التي تتقلّبُ في أحضان الانفجار المعلوماتي المتعدد الأبعاد، تستيقظُ إلى عظمة هذه اللغة، وتعي وظيفتها الكبرى في هذا الوجود، وتتحمّل مسؤوليّتها بقوّة أمام الله وأمام التّاريخ.
كثيرةٌ هي المراكز التي تُعنى بتعليم اللغة العربيّة، وكثيرةٌ هي المجامع اللغويّة، وأقسام اللغة العربيّة في الجامعات والكليّات في عالمينا العربي والإسلامي، بل وفي شتّى أقطار المعمورة اليوم، ولكن هل وصلنا إلى قرارات صحيحة وحازمة وشجاعة وموحّدة تخدم اللغة العربيّة؟ هل استطعنا الاتّفاق على صيغ تربويّة مناسبة تتماشى مع المراحل العمريّة لتعليم هذه اللغة العظيمة؟ هل لدينا امتحانات واختبارات تقيس الكفاية اللغويّة كما يفعل الأجانب في الاختبارات العالمية الموحّدة، وهل وهل وهل؟
إنّ الذي يشتكي منه الجسم العربي اليوم هو تشرذم القوى، وتصدّع الرّؤى. إنّ الجهة الغائبة التي ندعوها إلى الحضور، والتي يعدّ حضورها ضروريا بل فريضة وحتميّة هو التخطيطُ اللغوي. وهذا العمل العظيم منوطٌ بكم أيّها العلماء الفقهاء في لغة التّنزيل. إنّ المسؤوليّة جسيمة، والمهمّة عظيمة، تكاد أن تنخلع الرّقابُ أمام ذراها الباسقة، ولكنّنا لا نستكينُ – بإذن الله وتوفيقه- ولا تخور عزائمنا، ولا ننثني أمام الخطوب والرّزايا مهما ادلهمّت غياهبُها.
إنّني لواثقٌ، وأنتم ثلّة قويّة من أهل العلم واللغة، وأنتم أبناء هذه الأمّة التي أعزّها الله بالقرآن، بأنّ لديكم القدرات والإمكانات والخلفيات العلميّة القويّة والواسعة التي تمكّنكم بالنّهضة والارتقاء بهذه اللغة العظيمة، وأن تحسنوا التّخطيط لها، وإنّ الله لموفّقكم، وهاديكم وناصرُكم، وآخذٌ بأيديكم إلى سواء السبيل وما ذلك على الله بعزيز.
دُمتم أوفياء للغة التّنزيل، وبُوركتم يا أهل شنقيط، أهل اللغة والشعر والبيان، وبوركت مجامعنا ومحافلنا اللغوية، وهدانا الله وإيّاكم إلى سواء السّبيل.
اقـرأ الـمـزيـدتأسيس مجلس اللسان العربي بموريتانيا
الوزير الأول الموريتاني يستقبل وفد رؤساء المجامع اللغوية على هامش الافتتاح
بمكرمة سخيّة من صاحب السّمو الشّيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حفظه الله تعالى، رأى مجلس اللّسان العربيّ بمويتانيا النّور في العاشر من أكتوبر ٢٠١٧م. جاء هذا التأسيس استجابةً لتطلّعات اللّغويّين في البلد الشّقيق موريتانيا الذي عُرِفَ في القديم والحديث بحبّه للّغة العربيّة، وتميُّز أبنائه بالشّاعريّة المِثراءة المِعطاءة حتّى ذاع لدى المثقّفين وعامّة النّاس تلقيبُ موريتانيا: بلد المليون شاعر.
ونظرا لما يتميّزُ به هؤلاء اللّغويّون والأدباء والباحثون في هذا البلد العربيّ الأصيل، جاءت توجيهات صاحب السّمولبذل الجهد في التّعرّف على أحوال علماء اللغة فيه وظروفهم الثّقافيّة واهتماماتهم، وبتوفيق من الله تعالى تَمَّ التّواصلُ مع عدد من الجهات العلميّة والثّقافيّة، وبعد اجتماعات تنسيقيّة مع كوكبة من الأكاديميين واللغويين، تمّ بحمد الله تعالى إنشاءُ مجلس اللسان العربيّ بموريتانيا الذي يرأسه سعادة الأستاذ الدكتور الخليل النحوي الذي ينحدر من أسرة هي من سراة أهل شنقيط علما وأدبا والتزاما.
ومنذ الأيّام الأولى التي شرع فيها مجمع اللغة العربيّة بالشارقة بالتّنسيق مع الدكتور الخليل النّحوي في شأن مجلس اللسان، تمّ الاتّفاق على الخطوط العريضة التي يتوخّى المجلس تحقيقها، وتبلورت هذه الخطوط في شكل رؤية واضحة ورسالة وأهداف منصوص عليها في النّظام الدّاخلي للمجلس.
وجاء في تعريف مجلس اللسان في لائحة قانونه التأسيسي بأنّه هيئة اعتباريّة تضمّ صفوة مختارة من اللغويين الموريتانيين لجمع شملهم، وتسليط الأضواء على أحوالهم واهتماماتهم اللّغويّة، وتحقيق آمالهم وتطلّعاتهم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، تمّ إنشاء المجلس ليكون مِظلّةً مجمعيّة تشارك مع سائر المجامع اللغويّة والعلميّة مُسجّلا حضور اللّغويين الموريتانيين على الساحتين العربيّة والدّوليّة.
يسعى المجلس الذي اتّخذ من مدينة نواكشط مقرّا له إلى تحقيق جملة من الأهداف منها:
- تشجيع استعمال اللّسان العربيّ، والتّمكين له وطنيّا وإفريقيّا وفي سائر بلدان الأمّة وعبر العالم.
- تيسير قواعد اللّسان العربي، والتّعريف بمكانة اللغة العربيّة ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
- الإفتاء مبادأةً أو استجابة لطلب، بشأن قضايا المصطلحات تعريبا وتنسيقا وتأصيلا.
- تطوير أساليب تدريس اللغة العربيّة لأبنائها والمستعربين.
- التّمكين للسان العربيّ في نظم المعلومات وتقانات التّربيّة المعاصرة.
- تشجيع البحث والتأليف والابتكار في أنظمة اللسان العربيّ وأنساقه ودلالات ألفاظه وسائر علومه وقضاياه.
- التّعاون مع مجامع اللّغة العربيّة وسائر الهيئات العاملة في الحقل اللّغوي الكبير.
هذا، وقد حدّد مجلس اللسان العربي بموريتانيا في لائحة نظامه الأساسي شروط عضويّة المجلس بالنّسبة للرّاغبين في الانخراط فيه؛ فعلاوة على ضرورة كون المترشّح متضلّعا في علوم اللغة العربيّة المتنوّعة، فإنّه ينبغي أن يكون لديه إنتاج علميّ غزير في الحقول اللغوية المختلفة، وأن يكون ذا مكانة علميّة مرموقة في المجتمع، ويشهد بخبرته واستحقاقه لعضوية المجلس عضوان عاملان من المؤسّسين، ويكون ذلك بكتابة شهادة خطّيّة في صلاحيّته وجدارته، وأن تقوم لجنة متخصّصة بدراسة أعماله وإنجازاته، وبعد ذلك يتم دراسة موضوع عضويّته في مؤتمر المجلس، ولا يتمّ قبوله عضوا إلا بعد موافقة الأغلبيّة المطلقة على عضويّته.
تحسن الإشارة إلى أنّ مجلس اللسان منذ تأسيسه، أقام جملة من المناشط العلميّة، والنّدوات اللغويّة منها:
- تنظيم نشاط افتتاحي في اليوم الأخير من شهر رمضان 1438/ 24 يونيو 2017، أشرف عليه وزير الثقافة الناطق الرّسمي باسم الحكومة، ووزير التّعليم العالي، وحضره رئيس المجلس الأعلى للشباب والأمين العام لوزارة الاتصال وعدد مهم من المسؤولين وجمع غفير من النخبة المثقفة في البلد. وقد تضمّن النشاط كلمات رسمية من طرف وزير الثقافة ورئيس المجلس، وعرضا تعريفا بالمجلس وأهدافه، ومحاضرة عن دور اللغة العربية في نشر العلوم في العصور الوسيطة، وقراءات شعرية لمجموعة من أبرز شعراء البلاد.
- تشكيل سبع لجان عمل باشرت عملها تختص كلٌّ منها بحقل من الحقول التالية:
- الثقافة والتراث والنّشر
- التّعليم العالي والبحث العلمي
- الاتّصال والتّوثيق والمعلومات
- تبسيط القواعد وتطوير طرق تدريس العربيّة
- الأساليب والإفتاء اللغوي
- المصطلحات تعريبا وتأصيلا
- تهذيب العاميّة والتّمكين للسان العربي
- تنظيم ندوة مجمعيّة يوم 13 محرم 1439هـ/ 4 أكتوبر 2017 حول العربية بين التحدّيات الآنية والفرص الآتية، شارك فيها معظم قادة المجامع اللغوية والهيئات النّظرية في البلدان العربية وبعض البلدان الإفريقية. وقد حظيت الندوة بحضور رسمي وعلمي كبير.
- تنظيم مسابقة شعرية حول أفضل قصيد عن اللغة العربية.
- تنظيم محاضرة حول ” مزايا اللغة العربية”، قدمها رئيس المجلس يوم الأربعاء 26 صفر 1439هـ/ 15 نوفمبر2017
- تنظيم ندوة عن “تهذيب العامية: الواقع والطموح” غرة جمادى الأولى 1439/ 17 يناير 2018.
- إطلاق البرنامج “لنا العربية” للتمكين للعربية في الوسط الحضري وتطوير مؤشّر قياس مكانة اللغة العربية للغرض المذكور.
- توقيع اتّفاق مع المجموعة الحضرية لمدينة نواكشوط من أجل تنفيذ المرحلة الأولى من برنامج “لنا العربية”.
- إنشاء أول مكتبة متخصّصة في علوم اللغة العربية في البلد وفتحها أمام الباحثين.
- إنشاء مكتبة رقمية للمجلس، وتصميم برنامج خاص بإدارة المكتبة وفهرستها والبحث فيها.
- إنشاء شبكة بيانات داخلية للبحث وتبادل المعلومات والعمل المشترك داخل مقر المجلس.
- إطلاق موقع المجلس على الشبكة وقناة اليوتوب الخاصة بالمجلس وصفحة التواصل الاجتماعي.
- إنجاز سلسلة من المقابلات الإذاعية والتلفزية حول اللغة العربية ومهمات المجلس.
المشاركة في اجتماعات اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية وبعض الاجتماعات المتخصصة الأخرى في اليونسكو وفي بعض البلاد العربية.
اقـرأ الـمـزيـد